
القبض على مجنون العرب
بقلم : حسن توفيق
قطع أمير الشعراء أحمد «بك» شوقي إجازته التي كان يقضيها في أحد منتجعات الدار الآخرة.. نهض، فجأة، من مكانه، كمن لدغه برغوث، مع أنه كان يبدو مرتاح البال، وهو جالس على الأريكة السندسية المفضلة لديه.. مع نهوضه المفاجئ، اكتسى وجهه بالغضب، دون أن يهتم بنظرات الدهشة التي انبثقت من عيون الحوريات المستلقيات حوله بملابسهن الشفافة، بادرته إحداهن قائلة وهي تتنهد: هل أحسست يا سيدي بالملل؟ هل ضايقتك واحدة منا؟.. كنت أظن أنك تنعم بجلستك الهادئة بيننا، خاصة أننا كلنا نسعى لإسعادك.
حاول شوقي «بك» أن يتخفف قليلاً من غضبه. قال للحورية المتنهدة: إن الأمر لا يتعلق بك ولا بسواك، فكلكن لطيفات وظريفات، لهذا سأعود إليكن، ولكن بعد أن أنفذ ما استقر عليه تفكري.. بعد ثوان معدودات، شوهد أمير الشعراء، وهو يخرج من أحد الأبواب السرية للمنتجع، ربما لكي يتجنب فضول الصحفيين، أو يهرب من كاميرات القنوات الفضائية التي تصوب نحو المشاهير. تزاحمت التساؤلات على شفاه الحوريات. إحداهن تساءلت: ما الذي أغضب «أمير الشعراء» العرب؟.. أكدت حورية أخرى: هذه أول مرة أرى فيها وجهه قد اكتسى بالغضب. أضافت حورية ثالثة: نحن لم نقصر في ملاطفته منذ أن وفد إلى هذه الدار الآخرة يوم 14 أكتوبر سنة 1932 ميلادية. ردت عليها حورية بجوارها وهي تتمطى: ربما تكون طبيعته البشرية قد عادت إليه، فأصبح يعرف الغضب وسواه من الانفعالات التي تضر صاحبها قبل غيره. قالت الحورية التي كانت تتنهد أمام شوقي «بك»: أنا أعتقد أنه قد اشتاق إلى وطنه مصر، ويريد أن يزوره ولو بمجرد الروح.. لقد سمعته أكثر من مرة، يتمتم وهو شبه نائم:
|
|
نازعتني إليه في الخلد نفسي
|
اعتدلت الحورية ثم تثنت بدلال، وهي تقول: على أي حال، فإننا سنعرف السر عندما يعود إلى منتجعنا هذا، كما وعدني، وهو صادق الوعد.
ما لم تعرفه الحوريات أن أمير الشعراء قد اندفع كالمدفع الرشاش، قاصداً مقر «الانتربول الفضائي» حيث التقى مع كبار الضباط العاملين فيه، مطالباً إياهم بأن يتعاونوا مع ضباط «الإنتربول» الذين يعملون على سطح الكرة الأرضية، لكي يحققوا له ما يريد… هدف أمير الشعراء واضح ومحدد.. أن يتم إلقاء القبض على مجنون العرب بأية وسيلة. هذا الهدف يتطلب بالطبع خططاً سرية بارعة، حتى لا يتمكن المجنون من الإفلات، بفضل ما لديه من حيل وأسلحة عجيبة، من بينها «الصاروخ العابر للزمان» و«طاقية الإخفاء» و«بساط الريح» و«القمقم النحاسي المسحور».
عقد أحد الضباط حاجبيه على جبينه اللجيني الذي تتغنى به فيروز، ثم قال بأدب شديد: لماذا تتوجه إلينا بهذا الطلب يا سيدي الأمير؟.. أنا- شخصياً – أعرف أن مجنون العرب إنسان مسالم، وهو لا يستخدم ما لديه من حيل وأسلحة إلا لكي يكتشف طباع الناس وأهواءهم خلال سنوات الحياة المتاحة لكل منهم على سطح الأرض. اصطبغ وجه أمير الشعراء بالأزرق والأحمر، وهو يقول: يا حضرة الضابط الموقر.. يبدو أنك طيب جداً، فهذا المجنون ليس مسالماً كما تظن، وقد جئت إلى هنا لكي أطالب بالقبض عليه، لكي يقر بما ارتكبه ضدي. وعلى العموم فإني لا أريد إيذاءه.. كل ما أريد أن أقوله له هو «للصبر حدود». أريد أن أنبهه إلى بعض ما يستوجب التنبيه، وبعدها يمكنني أن أقول «لكل حادثة حديث».
اقترب من أمير الشعراء ضابط آخر متجهم الوجه، ويبدو على ملامحه أنه من أقارب «شيلوك» المرابي اليهودي الذي فضحه وليم شكسبير منذ عدة قرون. قال الضابط «الشيلوكي» القلب: إن كل ما لدينا من تقارير، يؤكد أن مجنون العرب إنسان شرير، وهو واحد ممن يعادون «السامية» بدليل أنه يكره وجبة «الكوشير» ويفضل عليها «الفول» و«الطعمية» ونظراً لأني متعمق في دراسة الخلافات العربية – العربية وسبل تفكيكها لا تأجيجها، فإني لن أرحم هذا المجنون الشرير، ولن أتركه يفلت من العقاب، لكي يعرف أن لدينا هنا ما هو أقسى وأعنف من «جوانتانامو» و«أبو غريب» وسواهما. كل ما عليك يا أمير شعراء العرب أن تثق بي ثقة عمياء، فأنا المؤهل وحدي للقبض على مجنون العرب.
كما هي عادته، كان المجنون يتجول ببساط الريح في فضاء الكرة الأرضية، محاولاً ألا ينظر إلى الأرض ذاتها حتى يبعد عينيه عن رؤية شلالات الدماء البشرية، لكنه فوجيء بأن مجموعة من الأطباق الطائرة تحيط به من كل جانب، ورأى أحدها يكاد يلتصق ببساط الريح، وسمع صوتاً محملاً بالشر، تتدحرج منه كلمات متعثرة بلغة عربية ركيكة الأداء: إحنا بنريد تعطينا من وقتك خمس دقايق يا سيد مجنون، إنزل على الأرض حالاً وإياك تهرب. قال المجنون لنفسه إن «الكثرة تغلب الشجاعة» فأخذ يهبط اضطرارياً، وبمجرد أن هبط، حاصره ملثمون كثيرون بعد أن خرجوا من أطباقهم الطائرة، وحملوه معهم، حيث سلموه، بعد أن ضربوه،للضابط «الشيلوكي» القلب،وتم وضع المجنون داخل قفص شائك، تسيل على أسلاكه قطرات دم، وسمع «أمير الشعراء العرب» من يقول له: الحين.. تقدر تسوي خلافاتك العربية- العربية مع مجنون العرب!
أحس شوقي «بك» بطعم الندم، لا في حلقه،بل في روحه. لهذا لم يتوجه بأية كلمة شكر للضابط «الشيلوكي» القلب، وإنما اقترب – بهدوء – من الضابط الذي كان يعقد حاجبيه على جبينه اللجيني ورجاه أن يخرج المجنون من القفص، حتى يستطيع أن يناقشه بشأن نقاط الخلاف التي لم يكن المجنون يعرف عنها شيئاً.. حقق الضابط رجاء شوقي «بك» الذي دخل على الفور في صلب موضوع الخلاف.
- سامحني يا مجنون، فأنا لم أقصد أبداً أن أؤذيك، لكني سمعت أنك تنوي الإساءة لي!
« هل يُعقل أن أسيء إلى شاعر عبقري، أحببته وما زلت أحبه من كل قلبي؟
- هذا ما سمعته. لهذا أرجوك أن تجيب بصدق. هل صحيح أنك تنوي إصدار كتاب جديد، تروي فيه أسرار مغامراتك وشطحاتك الغريبة؟
« هذا صحيح.
- وما عنوان هذا الكتاب؟
« أنوي أن أسميه «مجنون العرب مع الحمار والخروف والنعامة».
- لكني سمعت عن عنوان آخر غير هذا!
« معك حق يا شوقي «بك».. لقد كنت أنوي – في البداية – أن أسمي الكتاب "مجنون العرب مع أمير الشعراء والحمار والخروف» ثم أدركت – بعد أن فكرت – أن هذا العنوان غير لائق، لأنه قد يوحي بالمساواة بين الإنسان والحيوان، وبين أمير الشعراء والحمار والخروف، ولهذا عدلت عن هذا العنوان، واكتفيت في العنوان الجديد بالحمار والخروف وأضفت إليهما النعامة.
- إني أحب صراحتك يا مجنون، لكني أريد أن أقترح عليك عناناً جديداً، ينطبق على ما أنت فيه الآن.
« ما هو هذا العنوان؟
- «ليلة القبض على مجنون العرب».. أعتقد أن هذا عنوان مناسب.
« وهو كذلك يا شوقي «بك».
- الآن قل لي.. كيف أساعدك لتخرج من هذه الورطة التي وضعتُك فيها منذ أن اكتسى وجهي بالغضب؟
« لا تقلق أيها الأمير.. يا صاحب القلب الكبير.. عندي من أسلحتي ما يتكفل بعودتي آمناً إلى حيث كنت!
فجأة لم يعد أحد يرى المجنون.. في لمح البصر، وضع على رأسه «طاقية الإخفاء» وانطلق في رحلة العودة إلى الأرض، بينما أصيب الضابط «الشيلوكي» القلب بما يشبه«الصدمة والترويع» وهو الذي كان يحلم بأن يصبهما على رأس المجنون، أما أمير الشعراء، فإنه تمهل قليلاً، ربما ليتأكد أن المجنون قد اختفى تماماً عن الأنظار، وبعد أن اطمأن قلبه، قرر العودة من جديد إلى نفس المنتجع الذي كان قد غادره.
استقبلت الحوريات شوقي «بك» وهن فرحات مبتهجات، أما هو فإنه لم يكن مغتبطاً تماماً، بعد أن لاحظ ما لم يكن قد تنبه إليه من قبل، فقد رأى عدة حوريات، كل منهن ترتدي فستاناً من الفساتين التي كانت ترتديها «شهر زاد» على امتداد «ألف ليلة وليلة» بينما رأى حوريات غيرهن، ترتدي كل منهن فستاناً من فساتين عارضات الأزياء الأوربيات في باريس ولندن وميلانو، كما رأى أخريات محجبات ومنقبات، ورأى غيرهن قانعات بارتداء قطع حريرية أصغر من «ورقة التوت» التي كانت «حواء» تستر بها ما أرادت أن تستره. تساءل أمير الشعراء عن سر هذه الخلطة الغريبة، وعما إذا كان التنوع يدل على خصوبة الحياة وثرائها، أم أنه يؤكد أن الفوضى قد وصلت إلى أقصى مداها، حتى عند الحوريات؟!
« « «
«المجنون ليس أنا..» هذا ما قلته من قبل، وأحب أن أؤكده الآن بكل وضوح، حتى لا يظن العقلاء بي ما قد يظنون، فيتجنبني بعضهم أو يهرب من طريقي غيرهم. وفيما يتعلق بحكاية القبض على مجنون العرب، ونجاحه في الإفلات والهرب فإنه – شخصياً – هو الذي رواها لي، بحكم الصداقة العميقة بيننا.
طبعاً تترتب على الصداقة أعباء ومسؤوليات، يعرفها العاقل والمجنون على حد سواء، ومن هذا المنطلق طلب مني صديقي مجنون العرب أن أسجل ما يرويه لي من مغامراته ورحلاته، لأنه- كما يزعم- لا يجد الوقت الكافي لتسجيلها بنفسه، وقد وافقتُ على هذا الطلب، مشترطاً عليه أن يتحمل هو وحده المس
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ